اعترافات الغزاة المهزومين
تأليف أ. د. محمود أحمد درويش
يتناول الكتاب اعترافات القادة السياسيين والعسكريين للحملة البريطانية على مصر بقيادة الجنرال فريزر عام 1807. ومما لا شك فيه أن الانتصار العظيم الذي أحرزه المصريون على الجيش البريطاني الغازي عام 1807، تولى عنهم أهل مدينة رشيد هذه المهمة، حيث أحرزوا أعظم انتصار في القرن التاسع عشر، عندما قهرت مدينة رشيد جيش الإمبراطورية العظمى.
يتناول هذا الكتاب الحملة العسكرية التي وجهتها بريطانيا إلى مصر، والتي نتج عنها احتلال الإسكندرية، التي أهمل العثمانيون دفاعاتها وتحصيناتها وقلصوا القوات المدافعة عنها، لدرجة أن المدينة لم تتمكن من التصدي لقوات الحملة. ويستعرض الكتاب المعركة التي وقعت على أرض رشيد بين شعب رشيد بقيادة علي بك السلانكلي، وحسن كريت قائد المقاومة الشعبية، ضد جيش الإمبراطورية البريطانية بقيادة اللواء ماكينزي فريزر، والتي انتصر فيها شعب رشيد انتصاراً ساحقاً وحققوا أقسى الهزائم في تاريخ العسكرية البريطانية.
هذا الانتصار حسم الصراع العالمي بين القوى العظمى في ذلك الوقت، وأثار الحسرة في نفوس القادة السياسيين والعسكريين البريطانيين الذين تعجبوا من كيفية تصدي مدينة صغيرة مثل رشيد لهزيمة جيش الإمبراطورية البريطانية.
يُهدي الكتاب لأبناء رشيد العظماء الذين لعبوا دوراً حاسماً في الصراعات السياسية بين القوى العظمى، رغم تآمر الجميع عليهم ونسبة انتصارهم إلى محمد علي والألبان والعثمانيين. ويعتمد الكتاب في سرده على وثائق القادة السياسيين والعسكريين البريطانيين الذين اعترفوا بالهزيمة على أيدي شعب رشيد.
يعد هذا الكتاب إعادة لكتابة تاريخ انتصار رشيد، بناءً على الوثائق الحقيقية وليس الروايات المنقولة، والتي تقلل من شأن هذه المعركة وتُنسب الانتصار لأشخاص آخرين، حيث يثبت الكتاب أن هذا الانتصار كان بفضل أهل رشيد وحدهم.
يتكون هذا الكتاب من جزئين، يتناول الجزء الأول مقدمات الحملة والهزيمة في رشيد، ويتناول الجزء الثاني مرحلة ما بعد الهزيمة في رشيد وانسحاب الحملة من مصر.
يبدأ الجزء الأول بمقدمة تتناول المنهجية العلمية التي اعتمد عليها الكتاب، بالإضافة إلى الدراسات السابقة والمصادر التي استند إليها المؤلف.
يتناول القسم الأول الأهمية العسكرية والاستراتيجية لمدينة رشيد، ويشمل: التحصينات والوضع الدفاعي قبل الحملة، من خلال تحصينات الإسكندرية ورشيد قبل الحملة الإنجليزية، والوضع الدفاعي للإسكندرية ورشيد.
كما يتناول تحصينات رشيد ضد الحملة الإنجليزية، حيث يشمل ذلك مقدمات الحملة، الحملة الإنجليزية على مصر، والحملة الإنجليزية على رشيد.
أما القسم الثاني من الكتاب فتناول الحملة الإنجليزية على مصر عام 1807 في ضوء الوثائق، وتناول المراحل التي مرت بها الحملة، من الناحية التاريخية والرسائل والتقارير الخاصة بهذه المرحلة، إلى جانب الدراسة التحليلية للنصوص الواردة بهذه الرسائل والتقارير. كما تتناول الدراسة لكل مرحلة من هذه المراحل دراسة تاريخية وقراءة للوثائق والتقارير يتبعها دراسة تحليلية لها.
أولاً: الرسائل والتقارير في المرحلة التحضيرية للحملة على مصر (21 نوفمبر 1806 - 28 فبراير 1807)، وتتكون من 16 وثيقة.
ثانياً: الرسائل والتقارير المتبادلة بين زعماء المماليك وقيادة الحملة، وتتكون من 15 وثيقة.
ثالثاً: الرسائل والتقارير في وصول الحملة واحتلال الإسكندرية، وتتكون من 15 وثيقة.
رابعاً: الرسائل والتقارير في الحملة الأولى على رشيد (مارس 1807)، وتتكون من 17 وثيقة.
خامساً: الرسائل والتقارير في الحملة الثانية على رشيد (أبريل 1807)، وتتكون من 21 وثيقة.
أما الجزء الثاني من الكتاب فتناول مرحلة ما بعد الهزيمة والانسحاب من رشيد، ويشمل: الرسائل والتقارير في مرحلة ما بعد الهزيمة في رشيد (أبريل - سبتمبر 1807)، وتتكون من 47 وثيقة. والرسائل والتقارير في أصداء الهزيمة وانسحاب الحملة من مصر (سبتمبر - أكتوبر 1807)، وتتكون من 8 وثائق.
كما تناول ملاحظات على الحملة على الإسكندرية ورشيد في عام 1807، وتشمل ملاحظات عن سير الحملة منذ مرحلة الإعداد وحتى الانسحاب من مصر، وخلاصة التقرير عن حملة الإسكندرية في عام 1807، والخلاصة لما ورد بالرسائل والتقارير في الفترة من (21 نوفمبر 1806 إلى 20 أكتوبر 1807)، وأهم نقاط الاختلاف بين ما ورد بكتاب الجبرتي وما ورد بالوثائق البريطانية.
وعندما نتذكر صورة الأسطول البريطاني عندما وقعت الحملة الفرنسية على مصر، وهو يصول ويجول في طول البحر المتوسط وعرضه، واستطاع تدمير الأسطول الفرنسي في أبو قير، وفرض السيطرة البريطانية على الحملة وإجبارها على الانسحاب بشروط بريطانية، وكأن بريطانيا هي صاحبة البلاد، حتى عندما تنازل الفرنسيون عن الآثار التي سرقوها من مصر، والتمادي في تواجد الأسطول والقوات البريطانية لعامين بعد خروج الحملة من مصر، عندما نتذكر الصورة بعد هزيمة الجيش البريطاني في رشيد وانسحابه من مصر، ندرك حجم انتصار شعب رشيد على جيش بريطانيا.
لذلك يعد يوم 24 إبريل 1807 هو النهاية العسكرية لهذه الحملة، عندما أعلن فريزر هزيمة القوات البريطانية وسحقها في رشيد، وقد أثار الحسرة في نفوس القادة السياسيين والعسكريين أن مدينة صغيرة مثل رشيد تتصدى وتهزم جيش الإمبراطورية البريطانية.
ورغم أن الوثائق المتعلقة بالتحضير للحملة والانتهاء من ذلك والقدوم إلى الإسكندرية واحتلالها قد استغرق الفترة من 21 فبراير 1806 إلى احتلال الإسكندرية في 21 مارس 1807 أي ثلاثة عشر شهرا، فإن الحملة قد تم القضاء عليها في خلال خمسة وثلاثين يوما فقط ما بين احتلال الإسكندرية والهزيمة في رشيد في 24 إبريل 1807.
وقد استتبع ذلك محاولات مستميتة للاستمرار في احتلال الإسكندرية استكمالا للاتفاق بين بريطانيا والسلطان العثماني والذي تضمنته معاهدة التحالف الإنجليزي التركي في 5 يناير 1799، وبداية للتعاون العسكري ضد التمدد الفرنسي في بحر إيجة وشرق المتوسط والحملة الفرنسية على مصر والشام، ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل واضطر فريزر إلى الموافقة على توقيع معاهدة الانسحاب من مصر في 19 سبتمبر 1807.
لذلك، لم يكن تأويل هذه الأحداث خاضعا لميول وطبيعة وعقل المؤلف وشخصيته وانحيازه لأحد الأطراف على حساب أطراف أخرى، وبالتالي، لم تكن الكتابة من وجهة نظر شخصية، بل كما حصلت فعلا، ونستطيع أن نؤكد أن الخلط الذي حدث في سرد أحداث الحملة التي انتهت بفوز محمد علي وإحكام سيطرته على جميع أرجاء البلاد، يعود إلى أن المنتصر هو من يكتب التاريخ، وهذه المقولة إلى حد ما حقيقية بل أقرب إلى الصدق، فهو الذي دون في كتب التاريخ ما أراد من أحداث تنسب النصر له ولجنوده من الألبان، في حين أغفل عمداً معلومات أخرى ذات أهمية وقيمة في اكتمال الصورة بشأن الحدث، وترتيبا على ذلك، فالتاريخ دائما ما يكتبه المنتصر ليروج فيه لنفسه ولانتصاراته ويبرز إنجازاته ويقلل فيه من قيمة المنتصر الحقيقي وهو شعب رشيد العظيم.
لقد أكد الكتاب ألا فضل على رشيد في الدفاع وهزيمة جيش بريطانيا إلا لأبنائها الذين تخلى عنهم الجميع، فيما نسب هذا الانتصار إلى محمد علي والألبان والعثمانيين، مع أن الوثائق التاريخية أكدت أن رشيد وقعت فريسة لخيانة قادة المماليك وتواطؤ محمد علي وقواته من الألبان وتآمر العثمانيين، إلى جانب الغرور والصلف والأطماع الاستعمارية البريطانية، وقد كان الهدف من احتلال المدينة يتمثل في تمكين جميع الأطراف من السيطرة على الثغور ومنها إحكام السيطرة على الحكم ولو تحت راية بريطانيا، ولحسم الصراع الدولي الذي ستتضح معالمه في الكتاب فيما بعد.
وبناء على ما سبق، فإن هذا الكتاب يعد إضافة للمكتبة العربية، حيث يفند الأحداث التاريخية للحملة البريطانية من وجهتي النظر العربية والبريطانية على حد سواء، ورغم أن وجهة النظر العربية يشوب أحداثها بعض الغموض أو انعدام الحقيقة، فإن وجهة النظر البريطانية تحمل حقيقة مثبتة بوثائق تاريخية لا تقبل النقاش، فهي رسائل وتقارير بلسان العدو الذي لم يجد مناصا من الاعتراف بفشله الذريع وهزيمته التي مرغت شرف الإمبراطورية البريطانية باعتراف القادة أنفسهم، وأثبتت فشل التخطيط وانعدام الخبرة والغرور.